احسان الامين
422
التفسير بالمأثور وتطوره عند الشيعة الإمامية
مكنونه ، وإظهار مصونه ، وألّفوا فيه كتبا جمّة ، غاصوا في كثير منها في أعماق لججه ، وشقّقوا الشعر في إيضاح حججه ، وحقّقوا في تفتيح أبوابه ، وتغلغل شعابه . إلّا أنّ أصحابنا ( رض ) ، لم يدوّنوا في ذلك غير مختصرات ، نقلوا فيها ما وصل إليهم من الأخبار ، ولم يعنوا ببسط المعاني وكشف الأسرار ، إلّا ما جمعه الشيخ الأجلّ السعيد ، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ( قدّس اللّه روحه ) ، من كتاب ( التبيان ) ، فإنّه الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحق ، ويلوح عليه رواء الصدق ، قد تضمّن من المعاني الأسرار البديعة ، واحتضن من الألفاظ اللّغة الوسيعة ، ولم يقنع بتدوينها دون تبيينها ، ولا بتنميقها دون تحقيقها ، وهو القدوة أستضيء بأنواره ، وأطأ مواقع آثاره » « 1 » . وهكذا عزم الطبرسي بعد التوكّل على اللّه تعالى على انجاز مشروعه الكبير في خدمة القرآن الكريم ، وهو يصف جهده خير وصف ويشرح خطّته في العمل وانطلاقته من التفاسير السابقة وما وصل إليه من نتائج تميّز محاولته التفسيرية الشامخة ، فيقول : « واستخرت اللّه تعالى ثمّ قصرت وهمي وهمّي على اقتناء هذه الذخيرة الخطيرة واكتساب هذه الفضيلة النبيلة ، وشمّرت عن ساق الجد ، وبذلت غاية الجهد والكد ، وأسهرت الناظر ، وأتعبت الخاطر ، وأطلت التفكير ، وأحضرت التفاسير ، واستمددت من اللّه سبحانه التوفيق والتيسير ، وابتدأت بتأليف كتاب هو في غاية التلخيص والتهذيب ، وحسن النظم والترتيب ، يجمع أنواع هذا العلم وفنونه ، ويحوي نصوصه وعيونه ، من علم قراءته وإعرابه ، ولغاته وغوامضه ومشكلاته ، ومعانيه وجهاته ، ونزوله وأخباره ، وقصصه وآثاره ، وحدوده وأحكامه ، وحلاله وحرامه ، والكلام على مطاعن المبطلين فيه ، وذكر ما يتفرّد به أصحابنا ( رض ) ، من الاستدلالات بمواضع كثيرة منه على صحّة ما يعتقدونه من الأصول والفروع ، والمعقول والمسموع ، على وجه الاعتدال والاختصار ، فوق الإيجاز ودون الإكثار ، فإنّ الخواطر في هذا
--> ( 1 ) - التبيان / مقدّمة المفسّر / ص 33 .